الشيخ عبد الغني النابلسي
13
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فالشيء الذي عنده تعالى بمقدار هو المستعد بالفيض الأقدس الذاتي بالقابل لما استعد له بالفيض المقدس الصفاتي على حسب الصورة التي تجمع صوره كلها من أوّل عمره إلى آخره ، فإذا أنزله تعالى لا ينزله إلا إلى نفسه وغيره من أمثاله ، لأنه ما ثم إلا الحق تعالى ، وإذا لم يكن الإنزال هذا فلا إنزال ، لأنه عنده تعالى فلا يصح الإنزال إليه تعالى ، بل منه ولا ينزله كله بتمامه ، لأن حضرة الإمكان قاصرة ، فلا تقبل الظهور إلا بالتدريج ، ومن هنا يظهر الزمان المستحيل على الحق تعالى ، وأنه منسوب إلى الكائنات عند نفسها فقط ، وإنما ينزله بقدر ، أي مقدار معلوم عنده سبحانه ، وهو صورة بعد صورة حتى تنقضي تلك الصور كلها التي عنده تعالى المسماة بالمقدار ، فإذا انقضت تلك الصور كلها نفذ ذلك الشيء عند نفسه ، وبقي عند اللّه تعالى كما هو عليه من قبل أن ينزله وهو قوله : وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النحل : 96 ] ، فمن كان باقيا عند اللّه تعالى نافدا عند نفسه لم يكن مما خاطبهم سبحانه من الغافلين الذين قال لهم : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) [ الحاقة : 38 - 39 ] فإنهم لا يبصرون إلا الحق تعالى من حيث التجلي الصفاتي الذي أعطاهم الوجود ولكنهم لا يشعرون من جهلهم به سبحانه ، وما لا يبصرون هو الحق تعالى أيضا من حيث التجلي الذاتي الذي أعطاهم الاستعداد للوجود ، والعارفون يبصرون ولا يبصرون ، وهم على علم منه سبحانه بذاته وصفاته ، والجاهلون يبصرون ولا يبصرون ، وهم على جهل به تعالى ويصح أن يكون قوله فرآه ، أي القلب المستعد ، أي الحق تعالى حيث تجلى به في عالم الشهادة ( فظهر ) ذلك القلب ( بصورة ما تجلى ) ، أي الحق تعالى ( له كما ذكرناه ) ، أي بالتجلي الشهادي ( فهو تعالى أعطاه ) ، أي قلب العارف به ( الاستعداد ) لقبول فيض التجلي الشهادي ( لقوله ) تعالى أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] ، فإعطاء كل شيء خلقه إعطاؤه استعداده لقبول الفيض والهداية ، ودلالته أنه هو الوجود لا غيره سبحانه ، وهو ما أشار إليه بقوله : ( ثم رفع ) ، أي زال ( الحجاب بينه ) سبحانه ( وبين عبده ) ، وهو حجاب عدم البعد فظهر في فور الوجود فانطرد عدمه الأصلي ( فرآه ) ، أي رأى ذلك العبد الظاهر ربه تعالى متجليا عليه ( في صورة معتقده ) ، أي ما يعتقده ذلك العبد في ربه من العقيدة الإيمانية ( فهو ) ، أي الحق تعالى ( عين اعتقاده ) ، أي العبد من حيث الوجود المطلق الظاهر في تلك الصورة المقيدة الاعتقادية ( فلا يشهد القلب ولا العين ) من العارف والجاهل ( أبدا ) ، أي في جميع الأحوال ( إلا صورة معتقده ) ، أي ما يعتقده ( في الحق ) تعالى غير أن العارف لا يحصره سبحانه في اعتقاده دون اعتقاد غيره بل يعرفه في كل اعتقاد ، ويعرف أنه من الضرورة الإمكانية ظهوره لكل عبد في صورة